السيد محمد تقي المدرسي
153
من هدى القرآن
الوسم ، وإن المترفين لَيُكْوَون يوم القيامة بمياسم خزنة النار ، التي تترك عليهم علامة يعرفهم بها الخلائق فيُفتضحون ويعيبونهم على أفعالهم وذنوبهم الدنيئة . وقد نستوحي من هذه الآية أن الإنسان وحتى المترف لا يعترف وهو يمارس الذنب كالهمز والنميمة ومنع الخير أنه على الباطل ، بل يُخفي الحقيقة بشتى الوسائل والمبررات عن الآخرين ، ولذلك كان من جزائه في الآخرة الفضيحة بالوسم على الخرطوم ، فما هو الخرطوم ؟ . في اللغة : خراطيم القوم ساداتهم وأبرزهم ، يسمى بذلك الأنف ، ويستعمل خصوصا للفيل ، وقيل للأنف خرطوما لأن الوجه أبرز ما في الإنسان ، والأنف أبرز ما في الوجه ، وربما وصف القرآن أنوف المترفين بالخراطيم ( أنوف الأفيال الطويلة ) لأنهم عادة ما يشمخون بها على الناس استطالة وتكبرا ، حتى لتكاد تطول لو أمكنها . وقد تمحورت كنايات العرب عن التكبر حول الأنف ، ويقولون : شمخ بأنفه ، وأرغم الله أنفه ، وأتى برغم أنفه « 1 » ، وحيث يعذبهم الله بالوسم على أنوفهم فذلك إهانة لهم باعتبارها مقياس العزة والتكبر ، يقال : أعز الله أنوفهم إذا رفع القوم شأنا . ولعل الكلمة تتسع إلى اللسان الذي يحلفون به ، ويهمزون به ، وينُّمون ، ويمنعون الخير ، ويحاربون به الرسول والرسالة ، وما إلى ذلك من سائر المعاصي التي يلعب اللسان فيها دورا رئيسيًّا ، وإنما يطيل الله أنوفهم أو ألسنتهم في الآخرة لتستوعب بمساحتها قدرا أكبر من العذاب . قصة أصحاب الجنة [ 17 - 20 ] ويشبِّه القرآن واقع المترفين مذكِّرا بقصة أصحاب الجنة ، لأنهم كهؤلاء افتتنوا بزينة الحياة الدنيا فاتبعوا الأهواء وخالفوا الحق واستكبروا على المحرومين ، لولا أنهم بعد طائف من الله عليها اكتشفوا خطأهم وبادروا إلى التوبة خشية العذاب الأكبر في الآخرة . قال ابن عباس : إنه كان شيخ كانت له جنة ، وكان لا يدخل بيته ثمرة منها ولا إلى منزله حتى يُعطي كل ذي حق حقه ، فلما قُبِض الشيخ وورثه بنوه وكان له خمسة من البنين ، فحملت جنتهم في تلك السنة التي هلك فيها أبوهم حملا لم يكن حملته قبل ذلك ، فراحوا الفتية إلى جنتهم بعد صلاة العصر ، فأشرفوا على ثمرة ورزق فاضل لم يعاينوا مثله في حياة أبيهم فلما نظروا إلى الفضل طغوا وبغوا ، وقال بعضهم لبعض : إن أبانا كان شيخا كبيرا قد ذهب عقله وخرف ، فهلموا نتعاهد ونتعاقد فيما بيننا ألَّا نعطي أحدا من فقراء المسلمين في عامنا هذا شيئا حتى نستغني وتكثر أموالنا ثم نستأنف الصنعة فيما يستقبل من السنين المقبلة ، فرضي بذلك
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 422 .